جلست غادة على أحد المقاعد الوثيرة المواجهة للمرايا، تتأمل الصورة البانورامية وهي في وسطها. وجهها مشرق، رغم نومها المتقطّع طوال الليلتين الماضيتين، إذ تعمّدت إيلاء تبرّجها اهتماماً مضاعفاً هذا المساء. لا يسعها أن تبهت عن الوجوه التي ستحييها لأجل الكاميرا. سواد الكحل يحبس بياض عينها ويتلبّس نظرتها. الخطّ الأخضر اليانع يحدد الجفن السفلي من داخله، ويجادل ظلالاً تتماوج بين البني والأخضر. وبفضل رموش سميكة يشعّ الشّهد في بؤبؤيها. شفتاها مرسومتان بقلم خشب الورد، ملونتان بمشمشي خفر. كأنهما بلا أحمر شفاه، وفمها مثالي صحيّ، هكذا، من خلق ربّه. أما أكثر ما تأنّت فيه فهو تمويه هالات التعب حول عينيها بسائل يقتبس بشرتها كالتعويذة المتاحة لمجابهة فائض النور، ضد آثار الكابوس...
في غرفة مطبقة الظلمة، جدرانها كالصخر، كانت طابة طرية اللحم. ترتطم بالأرض وترتد على الحيطان. من جدار إلى جدار تُجبر على القفز، ولا تملك أن توقف السيرك المرعب الذي أجبرت، بقوة ما، على دخوله. لم تر غادة نفسها، لم تعرف لها شكلاً أو ملامح أو حتى كثافة. فقط أدركت في قرارة نفسها أنها هي التي تدوخ في ذلك الفراغ الدامس. هيولى معتمة كانت، سريعة العطب من دون أن تفنى. لم تحطمها الضربات، ولم تؤلمها، لكنها راحت تضيّق على الهواء في صدرها، وتزيد كلّية ارتجاجها سرعة، ثم تقصر الفواصل بين السقطة وتاليتها. أرجل خفية نبتت لجدران تلك الغرفة السوداء، وراحت تركلها، وهي تتساءل عن مخرج ولا تجد إليه سبيلاً. هكذا.. أسرع، فأسرع، أقوى، فأقوى... حتى تبخرت كل أنفاسها الباقية وفتحت فمها على وسعه بحثاً عن هواء تجمّد... وفتحت عينيها، لاهثة، فرأت منى نائمة بجوارها متدثرة بلحاف يذكّر بزهري غزل البنات.

صابون - رشا الأطرش

﷼2٫200Price
  • ممتازة

  • Black Instagram Icon

©2018 by Route 47.